نجم الدين الكبرى

37

فوائح الجمال وفواتح الجلال

ولا يمكن بحال أن نقبل هاتين الحكايتين ، ففيهما من الخيال ما لا يتفق مع الوقائع . . فالحكاية الأولى غير مقبولة لأن الشيخ نجم الدين توفى سنة 618 هجرية قبل دخول المغول لبغداد سنة 656 هجرية ! وهو لم يستوطن بغداد وإنما خوارزم ! ولا يعقل أن هولاكو ملك المغول يصل به المقام - وهو الرعوىّ العنيف - إلى تلك الشفافية التي تجعله « يشم رائحة محمدىّ كبير » داخل أسوار بغداد ! كما لا يعقل أن يبعث إلى هذا المحمدي - الشيخ نجم الدين - يستأذنه في دخول بغداد . . ! والحكاية الأخرى غير مقبولة أيضا ، فالرازى لم يؤثر عنه نزوعه إلى التصوف حتى يأتي طالبا الطريق من نجم الدين الكبرى ! ومن غير المعقول أن يأتي طالبا هذا الطريق ومعه ألف من تلاميذه ! كما لا يعقل أن تمحى كل علومه في لحظة ، ثم تعود إليه في لحظة تالية ؛ فإن اللّه - كما في الحديث النبوي - لا ينتزع العلم انتزاعا ! ومع ذلك ، فثمة أساس لهاتين الحكايتين ، تمّ تطويره كي يصل إلى هذه الصورة . فالشيخ نجم الدين قتل بالفعل على يد المغول ، والتقى بالفعل بفخر الدين الرازي ؛ ولسوف نرى ذلك على وجهه الصحيح في الصفحات التالية . أما الآن ، فقد توقفنا عند هاتين الكرامتين ، وناقشناهما بهدف تحليل ما يرويه المتصوفة من كرامات للصوفية ، واكتشاف الآليات الخاصة بصناعة الأسطورة لدى المتأخرين . ففي الحكاية الأولى نلمح يد الخيال وهي تمتد إلى واقعة استشهاد نجم الدين ، لتدخل بها في سياق تاريخي مختلف يتم فيه تفريغ الأشخاص من محتواهم التاريخي وتصويرهم على هذا النحو المفارق الذي يجعل من « هولاكو » ملك المغول ، صوفيّا له كراماته أيضا ! في عملية تأليفية تدخل فيما نسميه اليوم بالأدب الفنتازى أو عالم الواقعية السحرية التي تتراجع فيه الحتميات التاريخية والواقعية لتفسح المجال أمام التخيّل الجامع الفضفاض الذي ينظر للواقع والتاريخ بعين عجائبية ترى - فقط - ما يؤكد فضل الأولياء على غيرهم . . وهكذا تبدأ عملية « صناعة الكرامات » من واقعة فعلية ، لتحلّق بها في عنان السماء . وفي لقاء الشيخين نجم الدين كبرى وفخر الدين الرازي - كما رواه الشعراني والنبهاني - محاولة للنسج